أبي الفرج الأصفهاني

334

الأغاني

بيّتوا جرما فاصطلموها [ 1 ] . وقال بعضهم : قبيح ! قوم قد سقيتموهم مياهكم وأرعيتموهم مراعيكم وخلطتموهم بأنفسهم وأجرتموهم من القحط والسّنة تفتاتون عليهم هذا الافتيات ! لا تفعلوا ، ولكن تصبحوا [ 2 ] وتقدّموا إلى هؤلاء القوم في هذا الرجل ، فإنه سفيه من سفهائهم فليأخذوا على يديه . فإن يفعلوا فأتمّوا لهم إحسانكم ، وإن يمتنعوا ويقرّوا ما كان منه يحلّ لكم البسط عليهم وتخرجوا من ذمّتهم ؛ فأجمعوا على ذلك . فلما أصبحوا غدا نفر منهم إلى جرم فقالوا : ما هذه البدعة التي قد جاورتمونا بها ! إن كانت هذه البدعة سجيّة لكم فليس لكم عندنا إرعاء ولا إسقاء ، فبرّزوا عنّا أنفسكم وأذنوا بحرب . وإن كان افتتانا فغيّروا [ 3 ] على من فعله . وإنهم لم يعدوا أن قالوا لجرم ذلك . فقام رجال من جرم وقالوا : ما هذا الذي نالكم ؟ قالوا : رجل منكم أمس ظلّ يجرّ أذياله بين أبياتنا ما ندري علام كان أمره ! فقهقهت جرم من جفاء / القشيريّين وعجرفيّتها وقالوا : إنكم لتحسّون من نسائكم ببلاء ؛ ألا فابعثوا إلى بيوتنا رجلا ورجلا . فقالوا : واللَّه ما نحسّ من نسائنا ببلاء ، وما نعرف منهنّ إلا العفّة والكرم ، ولكن فيكم الذي قلتم . قالوا : فإنّا نبعث رجلا إلى بيوتكم يا بني قشير إذا غدت الرجال وأخلف النساء ، وتبعثون رجلا إلى البيوت ، ونتحالف أنّه لا يتقدّم رجل منّا إلى زوجة ولا أخت ولا بنت ولا يعلمها بشيء مما دار بين القوم ؛ فيظلّ كلاهما في بيوت أصحابه حتى يردا علينا عشيّا الماء وتخلى لهما البيوت [ 4 ] ، ولا تبرز عليهما امرأة ولا تصادق منهما واحدا فيقبل منهما صرف ولا [ 5 ] عدل إلا بموثق يأخذه عليها وعلامة / تكون معه منها . قالوا : اللَّهمّ نعم . فظلَّوا يومهم ذلك وباتوا ليلتهم ، حتى إذا كان من الغد غدوا [ 6 ] إلى الماء وتحالفوا أنّه لا يعود إلى البيوت منهم أحد دون الليل . وغدا ميّاد الجرميّ إلى القشيريّات ، وغدا يزيد بن الطَّثريّة القشيريّ إلى الجرميّات ؛ فظل عندهنّ بأكرم مظلّ لا يصير إلى واحدة منهنّ إلا افتتنت به وتابعته إلى المودّة والإخاء وقبض منها رهنا وسألته ألَّا يدخل من بيوت جرم إلَّا بيتها ، فيقول لها : وأيّ شيء تخافين وقد أخذّت منّي المواثيق والعهود وليس لأحد في قلبي نصيب غيرك ؛ حتى صلَّيت العصر . فانصرف يزيد بفتخ [ 7 ] كثير [ وذبل ] [ 8 ] وبراقع وانصرف مكحولا مدهونا شبعان ريّان مرجّل اللَّمّة [ 9 ] . وظلّ ميّاد الجرميّ يدور بين بيوت القشيريّات مرجوما مقصى لا يتقرّب إلى بيت إلا استقبلته الولائد بالعمد [ 10 ] والجندل ، فتهالك لهنّ وظنّ أنه ارتياد [ 11 ] منهنّ له ، حتى أخذه ضرب كثير بالجندل ورأى البأس [ 12 ] منهنّ وجهده العطش ، فانصرف حتى جاء إلى سمرة [ 13 ] قريبا إلى نصف النهار ، فتوسّد يده ونام تحتها نويمة حتى أفرجت عنه

--> [ 1 ] اصطلمه : استأصله . [ 2 ] أي لتصبحوا ، فالفعل مجزوم بلام محذوفة . [ 3 ] أي ازجروه وأنكروا عليه ما فعله واصرفوه عنه . [ 4 ] هذه العبارة : « وتخلى لهما البيوت » ساقطة من جميع الأصول ما عدا ب ، س . [ 5 ] « في الأصول » : « فيقبل منهما صرفا ولا عدلا » وقد جعلناها ( صرف ولا عدل ) بالرفع على أنه نائب الفاعل وهو الفصيح الكثير . [ 6 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول و « تجريد الأغاني » : « تواعدوا الماء » . [ 7 ] الفتخ ( كسبب ) : واحده فتخة ، وهي حلقة من فضة لا فص لها ، فإذا كان فيها فص فهي الخاتم . [ 8 ] هذه الكلمة ساقطة من ب ، س . والذبل : جلد السلحفاة البرّية ، وقيل : البحرية ، وقيل : عظام ظهر دابة من دواب البحر تتخذ النساء منه الأسورة والأمشاط . [ 9 ] في « تجريد الأغاني » : « الجمة » . واللمة ( بالكسر ) : الشعر المجاوز شحمة الأذن ، فإذا بلغ المنكبين فهو الجمة . [ 10 ] العمد ( بفتحتين وبضمتين أيضا ) : قضبان الحديد . والجندل : الحجارة . [ 11 ] الارتياد : الطلب . [ 12 ] في ح ، ء ، م : « اليأس » بالياء المثناة التحتية . [ 13 ] السمرة : شجرة من العضاه .